من زحلة إلى التايتانيك: شهر عسل انتهى في قاع الأطلسي ولغز الجثة رقم 43

حين نتحدث عن كارثة التايتانيك ليلة 15 نيسان/أبريل 1912، تتبادر إلى أذهاننا فوراً صور السفينة العملاقة، ومشاهد أفلام هوليوود، وربما قصة الملياردير الشهير جون جاكوب أستور الرابع. لكن بين ركاب تلك الليلة حكايات إنسانية أقرب إلينا بكثير؛ إحداها بدأت من كروم زحلة في لبنان، وانتهت في مياه الأطلسي المتجمدة، تاركةً وراءها لغزاً عجيباً حول هوية أحد الضحايا.

حكاية نجاح وشهر عسل لا يُنسى

وُلد نيقولا خليل نصر الله في زحلة قرابة عام 1883. ومثل كثير من شباب بلاد الشام في ذلك العصر، حمل طموحه وسافر إلى الولايات المتحدة باحثاً عن فرصة جديدة. استقر به المقام في سان فرانسيسكو، ونجح بجهده في تأسيس عمل مزدهر لتجارة الحلويات بالجملة.

بعد أن أمّن مستقبله، عاد نيقولا إلى مدينته زحلة في أواخر عام 1911 ليتزوج من حبيبته الشابة أدال حكيم، وقرر أن يبدأ حياته الجديدة برحلة لا تتكرر: شهر عسل طويل عبر العواصم الأوروبية، تتويجه حجز تذكرتين في الدرجة الثانية على متن أعظم وأفخم سفينة في العالم وقتها، صعدا إليها من ميناء شيربورغ الفرنسي متجهين نحو حلمهما المشترك في أمريكا.

وداع أخير في الظلام

لم يدم الحلم طويلاً. في منتصف الليل المتجمد، ارتطمت السفينة بالجبل الجليدي، وتحولت الرحلة الهادئة إلى صدمة وفوضى عارمة. في تلك اللحظات الفاصلة، كان كل همّ نيقولا هو حماية زوجته الحامل؛ شق طريقه وسط الزحام، وساعد في إيصال أدال وعدد من الأطفال إلى قوارب النجاة.

تذكر الروايات وشهادات الناجين أن أدال، وهي تشاهد القارب يبتعد في العتمة نحو المجهول، نادت عليه بمرارة ورجاء، لكن صراخ الركاب وصوت تصدع السفينة ابتلعا كل نداء. بقي نيقولا على السطح المائل مرفوع الرأس، واختار أن يواجه مصيره كفارس حتى غرق مع السفينة.

الجثة رقم 43: اللبناني الأنيق الذي ظنوه أغنى رجل في العالم

بعد خمسة أيام من الفاجعة، بدأت سفينة الإغاثة “ماكاي-بينيت” مهمتها الحزينة في انتشال الجثامين. كان الجثمان رقم 43 لشاب وسيم يرتدي بدلة فاخرة من الجوخ الأزرق، وفي ساعده الأيمن وشمٌ تراثي لأسد يحمل سيفاً، وحول خصره حزام يمتلئ بالليرات الذهبية.

هذا المظهر المترف، إلى جانب التشويش والسرعة التي تميزت بها رسائل التلغراف اللاسلكي آنذاك، جعلت فرق الإنقاذ تقع في خطأ تاريخي غريب: ظنوا أن هذه الجثة الأنيقة تعود لأغنى رجل على وجه الأرض في ذلك الوقت، الملياردير الأمريكي جون جاكوب أستور.

نُقل النبأ المحرف عبر البرق وتصدر العناوين، قبل أن يُعثر لاحقاً على جثة أستور الحقيقية التي حُسمت هويتها بالأحرف الأولى لاسمه والمطرزة داخل سترته. عندها فقط، استعاد الشاب الزحلاوي اسمه وكرامته، ودُفن كبطل آثر نجاة زوجته وطفله الذي لم يره، تاركاً في ذاكرة بلدته قصة شهامة حقيقية لا تقل سحراً عن أساطير السينما.