تغفو بلدة يونين في حضن اسفل الجبل الشرقي المحاذي للحدود السورية -حيث تتصل حدودياً ببلدة عرسال ، حيث تشرق الشمس من خلفها لتلقي تحية الصباح على السهل الفسيح المترامي من الشمال الى الجنوب، يحدها من الشرق الجبال المرتفعة حتى 1300م في طلعة موسى، ومن الغرب بلدتي مقنة وشعث، ومن الجنوب بلدة نحلة ومن الشمال يفصلها عن بلدة رسم الحدث مجموعة من البساتين المزروعة بالأشجار المثمرة، وعن بلدة التوفيقية وادٍ يسمى “وادي الرعيان”.
يعود تسمية بلدة يونين تاريخياً وحسب ما جاء في بعض الكتب القديمة، نسبة الى “النبي يونس” الذي سكن فيها فترة من الزمن، حيث يُقال أيضاً ان اسمها كان “يونيس” ثم تحوّل مع الأيام الى يونين (الاسم الحالي).
تبعد عن بعلبك لجهة الشمال حوالي 17 كلم، وعن مدينة زحلة حوالي 52 كلم وعن العاصمة حوالي 105 كلم، يمكن الوصول اليها عبر طريق بعلبك-حمص الدولية، وتبلغ مساحتها حوالي 140 فداناً عدا عن البساتين المنتشرة حول القرية.
عائلاتها:
الأطرش-الأتات-إبراهيم- بحلق- برو- -البريدي- أيوب- حيدر- الحلاني- حرب- دُرة- دياب- رستم- زغيب- زين الدين- سلوم- السيد- سلهب- صوان- صفوان- صلاح – الطحان-عبدالساتر- غصن- فاضل- فخر الدين- قصاص- كحيل -كنعان- محرز- نصرالله-نون- شحادة-وحود- ياغي- ياسين- الخطيب.
يعود الأصل التاريخي للسكان الى شبه الجزيرة العربية والقبائل التي هاجرت من هناك وسكنت في جبل لبنان ومن ثم وبفعل الحروب والجوع، انتقل اليها العديد من العائلات التي لا يزال لها جذور في بعض قرى جبل لبنان – ويربو عدد سكانها على الـ20 الف نسمة بين مقيم وموزع على المدن الكبرى مثل بيروت وبعلبك، اما المغتربون منهم فعددهم ليس بالكثير.
تتمتع بلدة يونين بموقع اثري وسياحي هام نظراً لموقعها في حضن الجبل الشرقي، ونظراً لكثرة الينابيع فيه (حيث يقال ان احد ينابيع نهر العاصي يتفجر من يونين) ولوجود خمس طواحين كانت تعمل بواسطة ضغط المياه قبل وصول الكهرباء والتكنولوجيا الى البلدة 1969 حيث كان يؤمها كل سكان القرى المجاورة لطحن غلالهم فيها، يذكر ان اثنين من الطواحين الخمسة ما زالت تعمل حتى اليوم وبالطريقة القديمة ذاتها.
كما يوجد في مدخل القرية “ناعورة” تعمل ايضاً بواسطة ضغط المياه، ويتم بواسطتها استخراج المياه من بئر مجاورة لا يتجاوز عمقه الـ10 أمتار وتختلف هذه الناعورة عن نواعير حماه الشهيرة وهي متوقفة عن العمل، وبذلك يغيب منظر ربما كان من أجمل المناظر الموجودة في لبنان وهناك في جنوب القرية مزار ديني يسمى “النبي سليمان” ويقع في منطقة مرتفعة حيث ينبع من داخله نبع ماء صغير لا يجف صيفاً ولا تزداد مياهه شتاءً، ويقصده العديد من الزائرين بالاضافة الى وجود عدد كبير من المغاور الأثرية من عصور قديمة لم يجرِ عليها الكشف حتى الآن، أهمها: مغارة الحصن – جبعا – قلعة فارس- وقلعة الشوف.
تقسم البلدة ادارياً الى حيين اثنين (ربما تصبح اربعة أحياء في التقسيم الاداري الجديد) على رأس كل حي مختار يقوم بأعماله الادارية التي تخص المواطنين، كما يوجد فيها مجلس بلدي . والجدير بالذكر ان عدة بلدات انفصلت عن يونين الأم منها: الصوانة – قسم من الحلانية – وقسم من رسم الحدث.
يعيش حوالي 90% من سكان البلدة على الزراعة والانتاج الزراعي بالدرجة الأولى حيث لم يعد يلاقي اقبالاً وتشجيعاً بالشكل المطلوب لبلدة مثل يونين التي تترامى مساحات اراضيها الواسعة يميناً وشمالاً دون أي فائدة تذكر، وتقدر مساحة الأراضي الصالحة للزراعة بعشرات الآلاف من الدونمات، وأهم المزروعات الحبوب على أنواعها وخاصة القمح والشعير والحمص والعدس، أما البساتين فمزروعة بالأشجار المثمرة كالمشمش والكرز والتين والعنب والخوخ بالاضافة الى بعض المزروعات الصيفية، وظهرت في الآونة الأخيرة زراعة التبغ والبطاطا الى طرق الري الحديثة وتخضع مسألة تصريف الانتاج لعملية العرض والطلب ويكون المزارع في كثير من الأحيان ضحية عدم تصريف انتاجه او تصريفه بسعر زهيد لا يكفي للحرث والقطاف والري.
كما ويعيش عدد من السكان على تربية الماشية، وقسم آخر يعمل في بعض الصناعات الخفيفة وبعض الحرف اليدوية (مطرزات- أواني قش- بسط) وهذه الحرف كانت منتشرة بشكل واسع في القرية، وهي اليوم في طريقها الى الزوال، أما القسم الباقي فيعيش من المحال التجارية او من الوظائف الحكومية.
تعتبر يونين بلدة الينابيع، وتمتاز بغزارة المياه، وهي من اكثر قرى منطقة البقاع الشمالي غنى بالثروة المائية، ويكاد لا يوجد منزل الا وفيه جدول ماء صغير يمرّ في صحن داره، خصوصاً تلك البيوت القريبة من رأس العين (اليونيني) فموقع القرية على طرف خط تقسيم المياه اعطاها ميزة هامة هي كثرة الينابيع الدائمة والموسمية على حد سواء بالاضافة الى الآبار الارتوازية العديدة، ويقطع القرية نهر كبير يسمى “نهر يونين” يتناول مياهه من نبع رأس العين (اليونيني) ويجري في واد قليل العمق متجهاً نحو الشمال ليروي اراضي وبساتين القرية، وهناك نهر صغير آخر لكنه أقل أهمية من النهر الأول حيث ينبع من المنحدرات الشمالية من نبع يسمى “عين السمعية” ويروي القسم الباقي من الأراضي بالاضافة الى عدة ينابيع موسمية صغيرة حيث لا تعطى الأهمية اللازمة.
وتجمع كل المصادر والأبحاث التي كتبت عن بلدة يونين بأنها حاضرة علم وأدب وفقه وتشريع ديني في القرون الماضية حتى ان من يريد التحدث عن تاريخ بعلبك أو تاريخ المنطقة بشكل عام لا بدّ وأن يتوقف وقفة طويلة عند بلدة يونين ليتذكّر ما كان لها من الباع الطويل في مجال العلم والتفقه والتشريع والأدب، وذلك حتى بدايات هذا القرن، ولا زالت تلمع اسماء بعض الأشخاص اليونيين الذين أعطوا المكاتب العربية زاداً لا يمكن الاستغناء عنه اطلاقاً، ولو عدنا الى الماضي لتعرّفنا الى عدد كبير من العلماء والمجتهدين من عائلة زغيب فنجد على سبيل الذكر لا الحصر، القطب الفقيه محمد بن احمد اليونيني، وتطالعنا القرون السابع والثامن والتاسع للهجرة بأسماء من اليونيين منهم الشيخ عبدالله اليونيني (الذي تعود له تسمية تلة الشيخ عبدالله في بعلبك -ثكنة عسكرية) والشيخ موسى زغيب والشيخ محمد عبدالله والشيخ محمد عبد القادر زغيب، ومما يدل على ان يونين كانت حاضرة علم وأدب بافتتاح الشيخ حسين زغيب (1815-1877) وهو جد الأسرة العلمية التي نشأت في بلدة يونين خلال القرن التاسع عشر وامتدت الى أوائل القرن العشرين والذي لقب بشمس العرافين، افتتاحه مدرسة دينية خرجت العديد من العماء من آل محفوظ والعميري وزغيب، وقد أصبحت المدرسة من أطلال الماضي، وفي بداية هذا القرن عيّن الشيخ علي التقي زغيب (1867-1937) اول مفتي رسمي لبلاد بعلبك.
بالاضافة الى عدد العلماء الكبير الذي أنجبته بلدة يونين والذي أضاء جانباً كبيراً من الحياة العلمية والدينية، نذكر هنا ان بلدة يونين لم تبخل بعطاءاتها في سبيل الدفاع عن الوطن والأرض، حيث قدمت العديد من الشهداء في ساحة الشرف، وان نسينا فلن ننسى ان اول شهيد سقط في لبنان دفاعاً عن ارضه وعروبته هو الشهيد النقيب محمد زغيب الذي جرح في معركة المالكية في اول ايار 1948 واستشهد متأثراً بجراحه في العام نفسه (وقد سميت ثكنة الجيش في صيدا تيمناً باسمه وتخليداً له) حيث منحه الزعيم العام قائد الجيش فؤاد شهاب وسام الأرز من رتبة فارس.
المحراث والصمد والنير والكادنة والمسحات والجاروشة، آلات ما زال لها العز الكبير في بلدة يونين، وما زالت تتحدى أحدث آلات التكنولوجيا ورغم سلبيتها وبدائيتها لكنها ما زالت تحافظ على بعض التقاليد، وما زال فيها بعض العادات الطيبة التي كانت سائدة قديماً في تراثها “العونة والمونة” وكل التقاليد التي كانت سائدة في القرية اللبنانية وان بدأت بالتراجع في الآونة الأخيرة.