مجزرة بعلبك عام 903 م: عندما استباح القرامطة حواضر الشام

شهدت بلاد الشام في أواخر القرن الثالث الهجري واحدة من أحلك فتراتها التاريخية، حيث عاثت حركة القرامطة فساداً في مدنها وحواضرها.

وكانت مدينة بعلبك الأثرية العريقة على موعد مع نكبة مروعة عام 903 م (290هـ)، عندما زحفت إليها جيوش القرامطة بقيادة الحسين بن ذكرويه، المعروف في مصادر التاريخ بـ “صاحب الشامة”. ولم تكن هذه الحملة مجرد توسع عسكري، بل تحولت إلى استباحة كاملة ومجزرة بشرية وثقها المؤرخون بكثير من الأسى.

الغدر بالعهود والنكث بالأمان

بدأت المأساة عندما فرضت جيوش القرامطة حصاراً محكماً على مدينة بعلبك، التي كانت في ذلك الوقت مركزاً تجارياً واستراتيجياً هاماً يربط دمشق بشمال الشام. وأمام الحصار الخانق وانقطاع الإمدادات العباسية، اضطر أهالي المدينة وزعماؤها إلى طلب الصلح والأمان من قائد القرامطة لحقن دمائهم.

أظهر القرامطة الموافقة وأعطوا أهل بعلبك عهداً بالأمان. ولكن بمجرد أن فتح السكان بوابات المدينة وألقوا أسلحتهم وثوقاً بالعهد، نكث القرامطة وعودهم؛ إذ اجتاحت قواتهم الشوارع والأزقة عازمة على الإبادة، فاستحال الأمان الموعود إلى غدر دموي غير مسبوق.

المجزرة الكبرى وسياسة الأرض المحروقة

أعمل القرامطة السيف في رقاب أهل بعلبك دون تمييز، فاقتحموا المنازل والمساجد والأسواق، وقتلوا الرجال والنساء والأطفال. وتشير المصادر التاريخية، ومن أبرزها كتاب “الكامل في التاريخ” لابن الأثير، إلى أن القرامطة أبادوا الغالبية العظمى من سكان المدينة، ولم ينجُ من هذه المذبحة إلا القليل جداً ممن حالفهم الحظ بالفرار أو الاختباء في المغاور والمرتفعات المحيطة.

ولم تقتصر الجريمة على القتل، بل تلتها عمليات نهب واسعة ومنظمة. وجُردت المدينة من ثرواتها؛ حيث صودرت أموال السكان، ونُهبت خزائن التجار، وسُلبت قوافل البضائع المارة بالمنطقة.

وكي يكتمل مشهد الدمار، أضرم القرامطة النيران في أجزاء واسعة من المباني والمرافق الحيوية لبعلبك، متبعين سياسة “الأرض المحروقة” لبث الرعب في نفوس المدن الشامية المجاورة مثل دمشق وحمص وحماة.

النتيجة وتحرك الخلافة العباسية

كانت نكبة بعلبك بمثابة جرس إنذار هز أركان الخلافة العباسية في بغداد؛ إذ أظهرت وحشية القرامطة خطراً داكناً يهدد بسقوط الشام ومصر. ودفع هذا الخطب الجلل بالخليفة العباسي المكتفي بالله إلى قيادة الجيوش بنفسه والتوجه نحو الشام.

تمكنت القوات العباسية لاحقاً من هزيمة القرامطة تلو الأخرى، وتوجت بانتصار حاسم في معركة حماة التي قُبض فيها على “صاحب الشامة” وأُنهي وجودهم العسكري في تلك البقاع.

وظلت مجزرة بعلبك جرحاً غائراً في ذاكرة الشام التاريخية، وشاهداً على حقبة اتسمت بالفوضى والاضطراب السياسي.

slider