ملاحظة: القصة المذكورة في المقال ليست حقيقية ولكن مشابهة لقصص كثيرة
الثأر هو مفهوم عن القصاص مقابل القتل، نشأ منذ آلاف السنين في التجمعات البشرية المتنوعة بدءًا بالعصر الجاهلي ومرورًا بحقبات عدة.
وفي بعض القرى البقاعية، حيث تتكتل العائلات الكبرى بشكل قَبَلي، هذا “الإرث المر” كما يسميه البعض مازال قائمًا وراسخًا في تربيتهم.
هذه الظاهرة التي يمقتها الأغلب وتفتخر بها هذه العائلات، ما هي إلا سلوكيات شاذة عن قاعدة الأخلاق في كل الأديان لأنها تقود الى سفك دماء أبرياء كُثُر، وكله تحت مسمى الثأر.
إن تاريخ منطقتنا البعيد والقريب حافلٌ بهذا القصاص الذي ارتكب بحق أبرياء، ذنبهم الوحيد أنهم أقرباء القاتل او المقتول وهكذا حتى “تكر السُّبحة” على العشرات لا بل المئات وأحيانًا تطال الممتلكات من حرق وتدمير.
ومن احدى قصص الثأر التي اشتهرت، روي أنه في احدى قرى، كان هناك حفل زفاف، وأقيمت الولائم وذبحت الذبائح وأقيم الحفل.
وخلال الحفل سأل أحد الضيوف صديقه وبطرافة وبالعامية “حامضها كيف؟” قاصدًا وجبة طعام أمامه، فسمعه أحد الأشخاص ظنًا منه أنه يقصد الفتاة قريبته المتواجدة في باحة الرقص.
تنويه: حامضها كيف؟= هل هي لذيذة؟
مباشرةً أخذ قريب الفتاة مسدسه وقتل الضيف، فتحول الحفل الى هرج ومرج وانتهت الحفلة بهروب القاتل ووفاة الضحية.
بعدها بشهور سارع أهل الضحية بأخذ الثأر لإبنهم، وتوالت الهجمات لسنين طوال ويقال أن القتلى وصل الى الخمسين قتيلاً من جراء عمليات ثأر وثأر مضاد.
حتى تدخل العقلاء والمصلحين وأعادوا اللُحمة بين العائلتين، والآن يتصاهر العائلتان وتكونت العلاقات الأسرية بينهما وكأن شيء لم يكن.
في الرجوع لبداية الحدث، القتل الأول بُني على ظنٍ خاطئ وبالتالي قُتل المئات جراء ذلك بسبب رجل لم يتمالك نفسه للحظات ولم يدع الأمر يمر بصفعة أو لكمة، فأحب أن يكون شهمًا وقتل الضحية.
هذه الأحداث التي تتوالى على مسامعنا من قصص قديمة أو مستجدة هي آفة كمرض يجب إستئصاله من المجتمع.
وبالتالي اذا اردنا حلولاً علينا بفهم سبب التمسك بهذه الظاهرة والأسباب عديدة ومنها:
- عدم ثقة الأفراد بالقضاء وحتمية القاء القبض على المجرم والحكم عليه بما يرضاه اهل الضحية، فيلجؤون الى استسقاء الدم بالدم.
- انتشار السلاح بشكل مفرط وغير قانوني غالبًا بين أفراد القرى والتجمعات.
- التفاخر والتهليل والاحتفال بعد كل عملية ثأر تحصل.
وبالعودة للحلول، ليست سحرية، بل هي آلية يجب أن تنفذ على مدار فترة زمنية لنتخلص نهائيًا من هذا المفهوم. مثلاً يقع على عاتق الدولة أن تبسط سلطتها في هذه القرى بالحد من انتشار السلاح بين أفراد غير مؤهلين لحمله،وتفعّل دور الاجهزة الامنية والقضائية بملاحقة المتهم واقامة محاكمات عادلة ترضي اهل الضحية، وبالتوازي مع ذلك تثقيف المجتمع والتوعية حول تداعيات عادة الثأر والعصبية وأنها لم ولن تكون الحل الأمثل لإحقاق الحق.
وتبقى معارك الثأر القائمة حاليًا والعدوات التي لم تنطفئ نارها بعد فيجب اخمادها والعمل كعائلات أو وجهاء من المناطق لحل الخلافات ووقف موت أبناء البقاع وبعلبك الهرمل بهذه الطريقة الوحشية.
الثأر مفهوم جاهلي وبقاءه يعبر عن خلل بنيوي، على الصعيدين الفردي والجمعي، وهو عائق امام تطور المجتمع، لذلك فإن معالجته لا بد أن تكون وعظية وتربوية وتذكيرية دورية وبدون توقف الى حين زوالها.
عُرفت على الدوام أهالي قرى هذه المناطق بالأصالة والكرم، والحب والتآلف، لنعيد الحب الى قلوبنا ونترك الجروح تندمل مع الزمن، فالمستقبل لأولادها ولأحفادها.