فندق بالميرا.. حكاية صرح عريق لم يقفل أبوابه منذ 150 سنة

بعلبك منذ القدم واحدة من أهم المدن السياحية، جذبت هذه المدينة المئات من السواح حول العالم وعلماء الآثار والمنقبين عن تاريخ العالم القديم.

لهذه الأسباب أتت فكرة تشيد الفندق على يد المهندس اليوناني ميمكاليس باركلي في العام 1872، على أرض تزيد مساحتها على 200 متر مربع، عند مدخل بعلبك الجنوبي، تم تخطيط البناء، بحيث يطل بواجهته الأساسية على الأطلال الرومانية.

سمي الفندق بالميرا نسبة الى التمثال النصفي لزنوبيا الذي أحضره باركلي معه من تدمر أثناء رحلته، ولا يزال هذا التمثال موجوداً في القاعة الرئيسية في الفندق.

ومن الشخصيات التي نزلت في الفندق: فيروز، وديع الصافي، نصري شمس الدين، مارسيل خليفة، صباح، الأخوين الرحباني، شارل ديغول فريد الأطرش، أم كلثوم، دريد لحام، إلا فيتزجرلد، أرغون، نينا سيمون، جون كوكتو وغيرهم.

السجل الذهبي للفندق يتألف من جزئين الأول من عام 1889 الى 1907 والثاني من 1907 الى اليوم، وسجل في هذا الكتاب كل من زار الفندق، حيث كتب زواره مشاعرهم عن بعلبك والفندق من صفحات أصبحت تاريخية، ولأهمية الكتاب ترجم الى لغات.

حيث كتب الجنرال غورو بالسجل الذهبي سنة 1920 عبارة “لقد أقمنا ضم البقاع الى لبنان”

ومن اول الزائرين أيضاً القصير الألماني ويليام الثاني عام 1889 حيث مهد وقتها الطريق الى بعثة ألمانية – عثمانية الى بعلبك للبحث في آثارها.

يتألف فندق بالميرا من طابقين من الحجر، بني على الطراز البرجوازي للبيوت في تلك الحقبة، يحيطه سور من الأعمدة الدائرية والقضبان الحديدية، وبجانبه حديقة مزروعة بعدة أشجار معمرة، وأيضا هناك عدة قطع أثرية موزعة من تيجان وأعمدة وتماثيل نصفية من الحقبة الرومانية ويتوسط الحديقة نافورة مياه مبنية على الطراز القديم من الحجر.

مدخل الفندق يتكون من ثلاث قناطر مرتكزة على أعمدة مزخرفة، ومن شبابيكه وشرفاته يطل على قلعة بعلبك الرومانية، مما جعل الإقامة في الفندق هو تجربة للرحلة عبر الزمن.

مر فندق بالميرا بعدة مراحل إعمارية، وكان يتألف منذ البداية من طابق واحد، حيث قام مالك الفندق اليوناني ميمكاليس باركلي بعرضه للمزاد .

وبعد وفاته في الحرب العالمية الأولى، قام بشرائه خبير الآثار اللبناني ميخائيل ألوف بـ1400 عثملية ذهب، حيث قام بترميمه وأضاف طابق ثاني، وقام بتوسيعه حتى أصبح يتألف من 27 غرفة، وصالة كبيرة ومدخل ومطعم.

توالى على فندق بالميرا ثلاث أجيال من عائلة ألوف، حتى عام 1975، عندما اندلعت الحرب اللبنانية وتوقفت مهرجانات بعلبك الدولية، فهجره الملاك ولكن لم يقفل أبوابه. ولكن لم يستقببل اي زائر لمدة 10 سنوات.

في العام 1985 إشترت الفندق شركة بعلبك للإنماء السياحي لصاحبها علي حسين الحسيني، ولكن مع محاولة تشغيله عدة مرات الا أن الحروب المتتالية في لبنان وسوريا تركت أثراً كبيراً على هذا الفندق العريق.

وفي مقابلة تلفزيونية سابقة قالت السيدة ريما الحسيني ، المدير التنفيذي لفندق بالميرا أنه”عندما يذكر فندق بالميرا يأتي في البال ذكرى بعلبك وتاريخها العريق، والأشخاص اللذين مروا على بعلبك.”

وأضافت:” إن أهمية المحافظة على هذا الصرح الذي يحتفظ بآثار من مروا به، ومحافظتنا على الفندق بطريقة لا تغير من ملامحه القديمة هو غاية مهمة لنا، لأن الترميم المبالغ به يمكن أن يسبب حذف لتاريخ وذكرى سنين مرت عليه.”

حرص القيمين على الفندق على عدم إغلاقه رغم الصعوبات التي مرت على لبنان مروراً بالحرب الأهلية التي أوقفت خلاله المهرجانات في بعلبك والتي نقلت إسم بعلبك إلى العالمية، وبعد توقف المخرجانات عزلت بعلبك سياحياً وانعدمت لحد ما.

حتى وبعد انتهاء الحرب وبعد اتفاق الطائف، ظهرت صعوبات أخرى هو عدم الإهتمام بالسياحة والمشاكل التنموية بالمناطق المحيطة ببعلبك والبقاع عموماً مما أثر على القطاع السياحي بشكل كبير.

وعن تأثير الحرب السورية على السياحة في بعلبك أضافت السيدة الحسيني:” الحرب السورية أثرت بشكل كبير على منطقتنا، سوريا بلد سياحة ومهتمة جداً بالسياحة وكانت دائما تضع على جدولها السياحي بعلبك لقرب المنطقة جغرافياً، أما الآن ومنذ إندلاع الحرب في سوريا لا وجود لأي سواح عبر الخط السوري أيضا.”

يضم الفندق اليوم 40 غرفة وتتوزع داخله الصالونات التي تحتوي على عدد من القطع الأثرية والتحف، وجدرانه مزينة بلوحات لأهم الفنانين التشكيليين، مثل عمر الأنسي، أمين الباشا وجان كوكتو الذي ترك العديد من أعماله بجانب ملصق إعلاني لمسرحيته التي قدمها في بعلبك سنة 1966.

وغرهم كثر تركوا أعمالهم ولوحاتهم على جدرانه مما جعله كمعرض دائم للفنون التشكيلية.

في أوائل الستينات ونهاية الخمسينيات أنشأت قاعة الطعام وتبين أنها تعوم على مسرح روماني مدفون تحتها على عمق مترين تمت اكتشافهم بواسطة هاروت كارايان وأمير كوكباني ، حيث تم ردمها للحفاظ عليها وأنشأت القاعة فوقها.

وفي هدف توسيعه وتحديثه تم ضم الدكاكين في البناء المجاور لتحويلهم لملحق للبناء الأساسي حيث قام المهندسون بترميم الملحق واحضار بعض البلاط من بيوت بيروت القديمة المهدمة.

وبعد ترميمه طلبت السيدة فيروز نقل غرفتها من الغرفة 26 الى الغرفة الخضراء في المبنى الجديد حسب طلبها.

رغم الصعوبات والأضرار لا يزال فندق بالميرا أبوابه مفتوحة، ومعتمدة على السياحة الفردية، ومع وجود مهرجانات في جميع المناطق اللبنانية أصبح الإقبال على مهرجانات بعلبك خفيفة نوعاً ما.

لطالما سعت الإدارة على ضم الفندق على لائحة booking.com لفتح المجال أمام السواح للحجز والقدوم الى بعلبك وتجربة الفندق التراثي القديم مع إطلالة مميزة على القلعة وقرب المسافة يسمح للزائر التنقل بأريحية أيضاً.

بالإضافة للسياحة الداخلية التي تعتبر جزء مهم في هذه الأوضاع التي يمر بها لبنان.

حيث تضيف المديرة التنفيذيه ريما الحسيني أن:” الفندق بحاجة كبيرة الى ترميم وتحسين وهذا يطلب الى إستثمار كبير وهذا صعب جداً في الوقت الحالي”

مع عدم التطور السياحي في المنطقة وفي بعلبك تحديداً، أصحاب المهن السياحية من الصعب عليها أن تستمر بوضعها الحالي،

من مجرد فندق الى متحف هذه حكاية فندق بالميرا – بعلبك الذي يتحدث تاريخه عن ذاكرة لبنان الجميل.

slider
تعليقات (0)
أضف تعليق